آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات رأي / فلسطين هذا هو العرس الذي لا ينتهي . بقلم/ عادل البريني
فلسطين هذا هو العرس الذي لا ينتهي . بقلم/ عادل البريني

فلسطين هذا هو العرس الذي لا ينتهي . بقلم/ عادل البريني

في شهرديسمبر و منذأكثر من ربع قرن يكون للعرب مع فلسطين حكاية عشق خاصة.

في هذا الشهر بالذات لفلسطين مذاق آخر..ورغم أن الوطن الجريح ليس فسحة من الزمن تستغرق الوقوف على أطلال نضالية عذبة  ولا مساحة وجدانية لاستحضار الذكريات المشرفة فحسب هو لحظة عذاب تختصر المعاناة كلها في الزمن كله ماضيا ومستقبلا.

لكن هكذا جرت العادة- تقتحم فلسطين عالم الأحرار في العالم كله في حالات ما أكثر وطأة  وحتى أولئك الثوار هناك الواقفين خلف خطوط النار” تجتاحهم فلسطين في لحظات معينة دون غيرها بقوة رهيبة بالاحتفال أو بالانفعال بالكرنفال أو بالمظاهرات بالغناء أو بالبكاء بالنشيد أو بالهتاف كل الطرق تؤدي إليها وهي رغم حصارهاتأتينا من كل طريق  ذاكرتنا اليوم عن فلسطين تعطلت فبين فلسطين قبل “الربيع ” وبعده أشياء عديدة تغيرت مفارقة عجيبة .

ففي سنوات الصمت الرهيب كان النظام الرسمي العربي يمعن في سجن” القضية ” داخل حدودها الصغيرة وكانت هي تقفز منه لتملأالدنيا بأبطالها وتشغل الناس بمأساتهم  تهرب من الحدود الإقليمية كلها لتكون قضية العرب من الماء الى الماء.

لقدكان هناك ربيع خاص بفلسطين لكنه يأتي بلا موعد في كل بلد و في كل فصلا صيفا وخريفا وشتاء وتأتي معه صور تطرحها الذاكرة عن ملحمةفلسطينية تتجددفي كل عام من شهر ديسمبربالذات منذ أن نفذ ابن الجنوب البطل ميلود ناجح نومة عمليته الفدائية في جيش العدو ومنذأن دكت الطائرات الصهيونية ونحن نيام حمام الشاطئ احدى ضواحي تونس سنة 1987ومنذ اغتيال الرمزالأول للإنتفاضة الفلسطينية أبي جهاد خليل الوزير في منزله وهو يضع مخطط الانتفاضة التي أشعلهابعد ذلك بأشهر في ديسمبر من نفس العام جيل مارد لم يكن في حسابات العدو الصهيوني أن يكون هو نفسه الجيل الذي تفتحت عيونه على هزيمة 1967فلم تخلف فيه الا غضبا وامعانا في الرفض وعدم الإعتراف بالاحتلال. لم تكن فلسطين في ذلك الزمن نسيا منسيا لقد كانت خبزا يوميا مرا للأهل هنا وهناك.كانت تحضر قسرا في نشرات الأنباء المسائية وتتصدر أخبار المقاومة فيها صفحات الجرائد الصباحية كانت محور النقاش والخلاف والحماس في مقرات الاحزاب والنقابات و كرنفالا مفتوحا على جدران الكليات وفي ساحات الجامعات والى ذلك كانت جزء من المونولوج في المسرحيات وخاتمة القصائد في كلام الشعراء  ولحنا حزينا في ايقاع المغنين تلك فلسطين كما نتذكرها دومامع صوت الربابة في أغاني فرقةالعاشقين ومواويل مارسال خليفة الحزينة وتأوهات الشيخ إمام وغمغمات لزهر الضاوي “شامخ شموخ الطود فلسطيني “.

وبين فلسطين تلك وفلسطين هذه الأيام مسافة شاسعة من الوجع والحنين والغيظ المكتوم ضاقت به نفوس جيل من الشباب العربي التعيس بأحلامه الجميلة عن الوطن والحرية.

كان ينام على مشاهد الدمار بآلة الاحتلال الفتاكة ليصحو على صور المقاومةحجرا أو خنجرا لفدائي تضيئ شظاياه “نجوم كنعان الجميلة”.

إنها صورة فلسطين في شهر ديسمبر “الذي تموت من البرد أطياره” بتصرف في عبارة الأديب السوداني الطيب صالح  في “كانون ” كما يسمونه هناك تأتينا فلسطين حامية حارة حاملة طعم برتقال يافا الأسير ورائحة البارود في الخليل الثائر عندما اشتعلت الانتفاضة في ساحة المسجد الأقصى في 7ديسمبر 1987 كان سلاح جيش المحاربين”الصغار” حجارة واليوم تستمر التغريبة بالمدي والسكاكين حكاية مثيرة مجيدة من الكفاح ” الملائكي” المسلح بأسلحة الأطفال في كل عصر .

تلك هي حكاية الانتفاضة الفلسطينية الأولى والحالية التي يمنع أبطالها الصغار عدوا كبيرا من تحقيق هدفه الجبار وهو الاستقرار فوق أرض لم تكن يوما ملكا له وبها بقيت “اسرائيل الى اليوم” دولة لا تنعم بالهدوء ولا تتوفر على مقومات السيادة الآن وهنا في ذكرى 17 ديسمبر هذه التي لايزال الشهداء فقط يلحون على أنها ثورة حق القول أن ثورة لا تشير الى فلسطين مشبوهة.وكفى .

error: Content is protected !!