آخر الأخبار
الرئيسية / آخر الأخبار / حول التعاقد مع بنك أعمال فرنسي: ياسين إبراهيم الخطأ؟

حول التعاقد مع بنك أعمال فرنسي: ياسين إبراهيم الخطأ؟

مازلنا نعيش على وقع ارتدادات القضية التي فجّرها النائب مهدي بن غربية صباح الجمعة الفارط في لجنة المالية عندما توجه بسؤال إلى وزير التنمية والتعاون الدولي ياسين إبراهيم حول اتفاقية بين وزارة التنمية وبنك الأعمال الخاص الفرنسي الأمريكي «لازار» بموجبه تتولى هذه المؤسسة «هيكلة مخطط التنمية» وعندما رفض الوزير الإجابة مباشرة وبالوضوح الكافي عن هذا السؤال واكتفى بالتساؤل حول تسريب ما اعتبره مجرّد مشروع لم يطّلع عليه شخصيا ثم قال في تصريحات إعلامية فيما بعد أنه تم إنجاز طلب عروض وأنه تم الاختيار المبدئي على بنك وأن مهمته ستقتصر على إعانة تونس في تسويق مخطط التنمية من خلال اختيار المشاريع ذات الجاذبية الأكبر للاستثمار الخارجي وأن هذا العمل عادي ولا يمسّ البتة من السيادة الوطنية على عكس ما ادعاه النائب المهدي بن غربية عن الكتلة الديمقراطية الاجتماعية..هذه معطيات يوم الجمعة إجمالا ولكن وزير التنمية قد أخفى أجزاء هامة من الحقيقة على النواب أي على ممثلي الشعب..

هنالك وثيقتان أساسيتان تثبتان أن كلام السيد الوزير مجانب للحقيقة بأشواط طويلة..

الإطار العام

الوثيقة الأولى بعنوان «عناصر نقاش – اجتماع لوضع الإطار» بتاريخ 20 أكتوبر 2015 أنجزها بنك الأعمال «لازار» بعد سلسلة من النقاشات مع مسؤولين حكوميين وبالأساس من وزارة التنمية. ولا أدل على ذلك من ذكر لجنة الإشراف بالأسماء (وعلى رأسها اسم وزير التنمية) ولجنة تسيير المشروع وفي هذه الوثيقة نجد أيضا المهام المنوطة بعهدة بنك الأعمال الخاص من تخطيط استراتيجي بعنوان «إسناد استراتيجي في تحديد سياسة اقتصادية ملائمة لمخطط التنمية» وكذلك «مساعدة في تحرير كل الوثائق ذات الصلة وخاصة التقرير الاقتصادي والاجتماعي 2016 («الميزانية الاقتصادية»)».

بعد هذه الوثيقة بيوم واحد نجد الوثيقة الأم «عقد تقديم خدمات بين الجمهورية التونسية و(Lazard frères SAS) ونجد في سطره الأول أن هذا العقد «قد اُنجز بتاريخ 21 أكتوبر 2015».

وفي نهاية الوثيقة نرى أن هذا العقد قد كتب بتونس يوم 21 أكتوبر 2015 وقدّم للإمضاء إلى الطرفين: الأول ممثل بنك الأعمال والثاني ممثل الجمهورية التونسية السيد ياسين إبراهيم وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي..

والعارفون – ولو بصفة سطحية – لإجراءات إبرام العقود بين الحكومة التونسية ومؤسسات أجنبية أن تقديم العقد للإمضاء يأتي بعد سلسلة من اللقاءات في أعلى مستوى (على الأقل مستوى الوزراء) وأنه تتم قبل ذلك مناقشة المضمون (أي المهام الرئيسية) والآجال وكذلك المبلغ الإجمالي للعقد.. وهذا يعني أن تقديم بنك لازار العقد لإمضاء السيد الوزير يوم 21 أكتوبر يعني أن كل هذه المراحل السابقة قد تمت.. وقد تمت بالمشاركة الشخصية والفعلية لوزير التنمية وربما أيضا وزراء آخرين (المالية.. كبار مستشاري رئيس الحكومة؟) وقول الوزير أن كل ما هنالك هو «مشروع» للنقاش لا علاقة له بالوقائع المادية الثابتة..

هذا من ناحية الشكل.. لِنَرَ الآن ما هو مضمون هذا العقد الذي يقول وزير التنمية أنه لم يمضه بعد ونتمنى أن يكون مصيبا بالكلية هذه المرة..

الاسناد «الاستراتيجي» لمخطط التنمية
في البند الثاني من هذا العقد والمعنون بــ«المهمة» نجد تفصيل المهام الأربع المنوطة بعهدة بنك الأعمال الأجنبي. ويعرف العقد المهمة الأولى هكذا: «هيكلة مخطط التنمية للاقتصاد التونسي بما يتوافق مع الوثيقة التوجيهية 2016 – 2020» ثم يشرح العقد هذه «الهيكلة» في خمس نقاط.. النقطة الأولى يكاد يسقط التونسي والتونسية مغشيا عليهما من شدة هولها: «الإسناد الاستراتيجي في تحديد سياسة اقتصادية ملائمة لمخطط النهوض (الاقتصاد)» ونجد في النقطة الرابعة «تشخيص الإصلاحات المفاتيح الضرورية لتحسين مناخ الأعمال».

أما المهمة الثانية لهذا البنك فهي تتمثل دوما حسب نص العقد «في استعراض وانتقاء وهيكلة مشاريع الاستثمار بالتعاون مع مختلف الوزارات ومختلف الجهات التونسية المعنية».

هذا في أصل العقد الذي لم يمض عليه بعد وزير التنمية ولكن كل السياقات السابقة تدل بكل وضوح أنه لم يحصل أي اعتراض من الجانب التونسي على هذه المهام المنوطة بعهدة بنك أجنبي ولو كان الأمر عكس ذلك فينبغي على وزارة التنمية ووزيرها الحالي اطلاع الرأي العام عليه لأن ذلك من أدنى مستلزمات الشفافية..

هل تصحرت البلاد؟

لا نريد أن نتوقف عند بقية جزئيات العقد كخضوعه للقانون الفرنسي وأنه في حالة نزاع فمركز التحكيم سيكون باريس ولغة التحكيم الفرنسية.. ولا نريد الحديث عن مبلغ العقد (خمسمائة ألف يورو) ولا نريد أيضا أن نشكك في وطنية الوزير ولا في صدق نواياه وفي حبه لبلاده.. إذ الأساسي ليس في هذا بالمرة بل في قضيتين أساسيتين لا ثالثة لهما..

المسألة الأولى أن هذه الحكومة; حكومة الحبيب الصيد، هي التي آلت على نفسها إنجاز مخطط خماسي للتنمية.. فلا أحد كان قد ألزمها بهذا وهي أيضا التي التزمت بإعداد وثيقة توجيهية لهذا المخطط.. وما معنى كل هذا إلا لم تكن الحكومة قادرة على «هيكلة» المخطط وإبراز «الإصلاحات المفاتيح» وانتقاء «المشاريع الأكثر جاذبية للاستثمار». فهل في مخطط التنمية أمر ذو شأن غير هذه الأبعاد الثلاثة؟!

سؤال محيّر فعلا.. هل تفتقر الحكومة التونسية بوزرائها ومستشاريها وتحالفها الرباعي الحاكم للكفاءات القادرة على «هيكلة» مخطط للتنمية وعلى إبراز الإصلاحات الكبرى الواجب اتخاذها؟

ألا توجد في النخبة التونسية بأصنافها الكفاءات الأكاديمية والمهنية القادرة على إنجاز مخطط للتنمية؟

هذا هو السؤال المركزي والذي أجاب عنه وزير التنمية، ضمنيا، بلا.. فلا جدال عندنا بأن تسويق المخطط وجلب المستثمرين يستدعيان إسنادا لوجستيا من جهات أجنبية مختصة.. فهذا محبّذ شريطة أن يتم في إطار عقد شفاف.. أما التصور العام للمخطط و«هيكلته» وإبراز أولوياته سواء على مستوى الإصلاحات الهيكلية أو على المشاريع المهيكلة للبلاد فذاك شأن وطني يكون نتيجة حوار سياسي واقتصادي تونسي تونسي.. إذ لو أصبحنا محتاجين لخبرة أجنبية لتقول لنا ما هي «رؤيتنا لتونس بعد خمس سنوات فيا خيبة المسعى لبلاد استقلت منذ ستة عقود وأقدمت على ثورة ذات أفق كوني منذ خمس سنوات..»

أما المسألة الثانية والتي يجب علينا وضع الإصبع على موطن الداء الحقيقي فيها وهو وجود نوع من الاحتقار والازدراء عند جزء من حكام تونس ما بعد الثورة للكفاءة التونسية بدءا بالكفاءة الإدارية فبعض الوزراء منذ حكومة الغنوشي الثانية إلى حكومة الحبيب الصيد مرورا بحكومتي النهضة فالتكنوقراط يقولون في مجالسهم الخاصة «الإدارة فارغة» أي لا كفاءة مطلقا فيها.. وحتى إن تم الإقرار ببعض الكفاءة عند الإطارات العليا فسرعان ما يردف مخاطبك «ولكنهم ضد أي إصلاح وهم يعيقون كل تجديد في البلاد».. هذا هو تصور بعض الحكام الجدد بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية والسياسية.. وهم يذكرونك ببعض الجامعيين الذين يشتكون دوما من ضعف مستوى الطلبة ولكنهم قلّ أن تساءلوا عما قدموه هم وعن حقيقة مستواهم العلمي والبيداغوجي..

العقد مع بنك الأعمال الأجنبي وبهذه المهام تحديدا هو ترجمان كاريكاتوري لشعار «لا وجود لكفاءة في الإدارة» وعادة ما يُقصد بها «لا وجود لكفاءة في تونس» إذ على افتراض غياب الكفاءة الإدارية (وهذا ظلم فادح) فبالإمكان دعمها وحتى تعويضها بكفاءة النخب التونسية في مختلف مجالات نشاطها..

أين السياسي؟
هنالك حجة أساسية تُقدم في هذه الأوساط: الإداري التونسي محافظ، فكريا وذهنيا، إلى النخاع ويستحيل عليه رغم كفاءته التقنية إنتاج منظومة جديدة كالتي نريدها في المخطط القادم..

وهنا لدينا ملاحظتان:

الموظف، مهما علا شأنه، ليس هو واضع السياسات العمومية للبلاد.. فتلك مهمة السياسي.. ولم نر إلى الآن من الوزراء المنحدرين من غير الإدارة والناقدين لها بشدة. لم نر من هؤلاء – والحق يقال – عبقرية خاصة أو أفكارا إصلاحية فرضت نفسها في الفضاء العام..

الوزير الناجح ليس هو الذي ينتج «الحقيقة» بمفرده بل هو الذي يصنع من الإصلاح – ولو كان بسيطا – مشروعا جماعيا لوزارته ينخرط فيه كبار المسؤولين وسائر الموظفين.. ولكن ذلك يستدعي خلع جلباب الكبرياء وحسن الإصغاء إلى الآخرين وتشريكهم المستمر في القرارات الهامة وتثمين ما يفعلون – على تواضعه أحيانا – لأننا لو واصلنا على هذا النهج بالنسبة لبعض الوزراء (لا وجود لكفاءة في الإدارة) فسوف نجعل من هذا التخوف حقيقة ولا شك وسوف تنكفئ كل الإطارات العليا في الإدارة التونسية – وكلهم أصحاب شهادات جامعية مرموقة – عن البذل والاجتهاد مادام رؤساؤهم لا يقرون لهم بأي امتياز أو إضافة..

في مفتتح الثمانينات أنجز السيد منصور معلى، وزير المالية والتخطيط في حكومة محمد المزالي، وثيقة توجيهية للمخطط السادس مازالت تثير الإعجاب داخليا وخارجيا إلى يوم الناس هذا..

فهل كتب علينا أن نعود القهقرى وكأننا جمهورية موزية قاحلة من الفكر والإبداع والذكاء؟!!

وأخيرا، وليس آخرا، عندما كان السيد ياسين إبراهيم أمام لجنة المالية يوم الجمعة الماضي وعندما سأله نائب الشعب المهدي بن غربية عن هذا العقد «غير الممضى» ما كان من حقه أن يُكابر وينكر جزءا من الحقيقة… لقد كان أمام نواب الشعب أي في فضاء السلطة الأساسية في البلاد وكان عليه أن يقول الحقيقة كل الحقيقة لا أن يسعى لتنسيب بعضها وإخفاء البعض الآخر..

في تونس اليوم وبعد خمس سنوات من بداية المسار الثوري لا يهم من سرّب الوثيقة – خاصة وأنها لا علاقة لها البتة بالأمن القومي – المهم هو مضمون الوثيقة وكان على الوزير إما أن يدافع عنها، لاقتناعه بفحواها أو أن يعتذر عن سوء التقدير الذي سقط فيه وجعله يوكل خيارات سيادية إلى بنك خاص أجنبي..وحدهما هاتان الوضعيتان تليقان برجل الدولة..

المصدر: جريدة المغرب

error: Content is protected !!