أيّ مستقبل لأولى ديمقراطيات الجنوب ؟ بقلم عزالدين السعداوي

عاشت تونس ما بعد فرار الديكتاتور ديناميكية سياسية تجسدت في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي والتصويت على الدستور الجديد الذي تمّت على أساسه انتخابات تشريعية ورئاسية واختتمت بجائزة نوبل للسلام للمشرفين على الحوار الوطني وهي انجازات في وقت قصير لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل بصعوبة الوضعية داخليا وإقليميا بعد رحيل رأس الحكم وتحت سطوة التغيّرات الجيوسياسية في المنطقة العربية. لكن كلّ هذه الإنجازات لا تنفي وضعية هشّة وصعوبات متراكمة ستعرفها البلاد على المدى القريب والمتوسط.

فبعد خمس سنوات على انهيار ديكتاتورية جامحة لم تتشكل في البلاد توازنات سياسية ثابتة تسمح بوجود حكم ومعارضة واضحي المعالم وترسم أفقا منشودا يطمئن الرأي العام السياسي والاقتصادي. ووصلنا اليوم إلى حكومة منتخبة على رأسها مدير تنفيذي سليل الادارة التونسية التقليدية، تعمل بذهنية القرن الماضي ورئيس جمهورية يحاول على شيخوخته سرقة صورة الزعيم من الذهنيّة التونسية القديمة مدعوما وداعما لرأس مال إعلامي منزوع الضمير المهني.

 لقد عشنا على مدى الخمس سنوات الأخيرة مع ستّ حكومات متواضعة الرؤى السياسية تعاملت مع الأحداث بسياسة الفعل وردّ الفعل مجاراة للأنساق الثورية والثورجية والشعبوبية في أحيان كثيرة وإرضاء للأطراف الفاعلة بفعل الواقع من أحزاب سياسية وجمعيات ونقابات. والحقيقة أن هذه الوضعية لها أسباب أخرى أعمق وهي استشراء الفساد في جميع مفاصل الدولة والإدارة والعمل المدني وعدم استعداد السلطة اراديا لمحاربته، لقد لخّصها أخيرا البنك العالمي بمصطلحي المحسوبية والفساد ولقد اختار الكثير من الفاعلين السياسيين رمي مسوؤلية الفساد على الحزب الحاكم المنحل، لكن ومع تقدم السنوات بان واضحا أن ديمقراطية الصندوق وحدها لا تكفي لإرساء دولة ديمقراطية وأن عقلية اللاعمل وذهنية الانتهازية تسيّر جميع القطاعات فالإدارة التونسية تكتظّ بمئات آلاف العاطلين عن الانجاز في بيروقراطية فضّة تعمل بالامتيازات والعلاقات الشخصيّة والاقتصاد التونسي يعطّله الفساد وتكبّله التجارة الموازية التي تستأثر بحوالي ثلثي الحركة التجارية وقد فرّخت في سنوات قليلة أثرياء جدد يملكون سلطة المال على شاكلة رجال المافيا التي تجنّد الادارة والقضاء والأمن لمصالحها، وتبحث لها في الآن نفسه عن موقع سياسي في مفاصل الدولة وعن قرب من الأحزاب الفاعلة ودكاكين السياسة وتسعى للربح السريع والاتّجار باليد العاملة الشابّة والمهمّشة.

 وزاد شحّ الموارد الاقتصادية والمطالب الاجتماعية المشطّة وارتفاع نسبة البطالة من صعوبة الموقف الاقتصادي فمئات الآلاف من خريجي الجامعات التونسية يطردون من الدورة الاقتصادية ويعيشون على هامش المجتمع بدون دعم حقيقي من الدولة والإدارة المحكومان بطبيعتهما بالفشل والفساد. وساهم كنس الدكتاتور في الكشف عن خلل في البناء الاجتماعي وبانت مفاهيم قديمة جديدة تدعو للجهوية والقبليّة والتباعد بين الجنوب والشمال وظّفتها أطراف سياسية في اللعبة الانتخابية.

إنّ ترتيب تونس كأحد الدول الأساسية المصدرة للعقل واليد الإِرْهَابِيَيْنِ يزيد من تعقيدات الشأن التونسي وقد تغافلت الحكومات التونسية عن خطورة ذلك لمدّة طويلة لغياب التجربة والرؤية السياسية المستقبلية فشرّكت التونسيين عن قصد وغيره في بؤر التوتر والحروب الكبرى وكانت الكثير من الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية موطأ قدم لعمل الإرهابيين بالفكر والمال باسم الثورة والحريّة وحقوق الانتظام.

 كلّ هذه التعقيدات التي تعيشها الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس تجعل أي قراءة وردية للمستقبل التونسي مجرّد مراهنة على جواد أسمر له من المواصفات جيّدها ولكنّه مرتبط بوضعيات داخلية متشابكة وبحالة إقليمية ضبابية خصوصا في جارة الجنوب، وتزيد الطاقات الشابّة الموظّفة في بؤر الفتن والإرهاب الأمر صعوبة. إنّ تونس تقف اليوم في مفترق اتجاهات تتلخّص ظاهريّا في الإرهاب والديمقراطية ولكن ينضاف لها في العمق مسائل حضارية عميقة تفرّق النخب والأحزاب وتشتّت القواعد والعوام وفساد مستشري يشلّ الحركة التنموية وينزع ثقة المستثمر وعموم المواطنين.

مازال أمامنا في تونس سنوات عجاف تتطلب إصلاحات في جميع المجالات خصوصا التعليمية والإدارية تستلزم إعادة تجذير هادئة لمفاهيم العمل والحرية والقانون والدولة والمواطنة والعمل المدني والبناء الديمقراطي…

الكاتب مدير الموقع

مدير الموقع

مواضيع متعلقة

اترك رداً

error: Content is protected !!